مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
143
تفسير مقتنيات الدرر
عن الجهاد ، ويحلفون لو قدرنا من الخروج لخرجنا معكم ، ثمّ أخبر سبحانه أنّهم * ( [ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ] ) * بما أسرّوه من اليمين الكاذبة والعذر الباطلة . * ( [ وَاللَّه ُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ عَفَا اللَّه ُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ] ) * في هذا الاعتذار والحلف . ثمّ خاطب نبيّة بما فيه بعض العتاب في إذنه لمن استأذنه في التأخّر عن الخروج معه إلى تبوك ، وكان الَّذين استأذنوه منافقين ومنهم جندب بن قيس ومعتب بن قشير وهما من الأنصار فقال في عتابه : لم أذنت لهم في التخلَّف عنك ؟ وهذا من لطيف المعاتبة لأنّه تعالى بدأ بالعفو قبل العتاب . وهل هذا الإذن كان قبيحا أم لا ؟ قال الجبّائيّ : وقع صغيرا لأنّه لا يقال في المباح : لم فعلته ؟ قال الطبرسيّ : وهذا التعليل غير صحيح لأنّه بجوز أن يقال فيما غيره أفضل منه : لم فعلته ؟ ومعناه أنّه لو لم يأذنهم حتّى يتبيّن نفاقهم وتعرفهم كان أحسن وكيف يكون إذنه صلى اللَّه عليه وآله قبيحا وقد قال سبحانه في موضع آخر : « فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ » « 1 » . وقيل : إنّه صلى اللَّه عليه وآله خيّرهم بين الظعن والإقامة متوعّدا فاغتنم القوم ذلك ، ويجوز العتاب فيما غيره أولى منه لا سيّما للأنبياء وحاشا سيّد الأنبياء وخير بني آدم من أن ينسب إليه المعصية . قوله : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 44 إلى 45 ] لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّه ِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّه ُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 44 ) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه ِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) ثمّ بيّن حال المؤمنين بأنّهم لا يستأذنوك في القعود عن الجهاد لأنّهم متى أمروا بالخروج تبادروا ولم يتوقّفوا ، والمنافقون بالعكس وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون : لا نستأذن النبيّ في الجهاد فإنّ ربنا ندّبنا إليه مرّة بعد أخرى ، فأيّ فائدة في الاستيذان ؟ وكانوا بحيث لو أمرهم بالقعود لشقّ عليهم .
--> ( 1 ) النور : 62 .